الغزالي
11
إحياء علوم الدين
إبقاء النسل ، ومن البدن تكميل النفس وتزكيتها ، وتزيينها بالعلم والخلق . ومن عرف هذا الترتيب ، فقد عرف قدر المال ، ووجه شرفه ، وأنه من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس التي هي ضرورة بقاء البدن ، الذي هو ضرورة كمال النفس ، الذي هو خير . ومن عرف فائدة الشيء وغايته ومقصده ، واستعمله لتلك الغاية ، ملتفتا إليها ، غير ناس لها ، فقد أحسن والنفع ، وكان ما حصل له الغرض محمودا في حقه . فإذا المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح . ويصلح أن يتخذ آلة ووسيلة إلى مقاصد فاسدة ، وهي المقاصد الصادة عن سعادة الآخرة ، وتسد سبيل العلم والعمل . فهو إذا محمود مذموم . محمود بالإضافة إلى المقصد المحمود ، ومذموم بالإضافة إلى المقصد المذموم [ 1 ] . فمن أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه ، فقد أخذ حتفه وهو لا يشعر ، كما ورد به الخبر . ولما كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله ، وكان المال مسهلا لها ، وآلة إليها ، عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية فاستعاذ الأنبياء من شره ، حتى قال نبينا عليه الصلاة والسلام [ 2 ] « اللَّهمّ اجعل قوت آل محمّد كفافا » فلم يطلب من الدنيا إلا ما يتمحض خيره وقال « اللَّهمّ [ 3 ] أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين » واستعاذ إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فقال * ( واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ ) * « 1 » وعنى بها هذين الحجرين الذهب والفضة ، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الإلهية في شيء من هذه الحجارة ، إذ قد كفى قبل النبوة عبادتها مع الصغر . وإنما معنى عبادتهما حبهما ، والاغترار بهما ، والركون إليهما قال نبينا صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « تعس عبد الدّينار وتعس عبد الدّرهم تعس ولا انتعش وإذا شيك « 2 » فلا انتقش » فبين أن محبهما عابد لهما . ومن عبد حجرا فهو عابد صنم . بل كل
--> « 1 » إبراهيم : 35 « 2 » أي إذا شاكته شوكة فلا يقدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش